القرطبي
352
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ومما احتجوا به أن " براءة " نزلت بعد سورة " البقرة " بسنتين ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه المغفر ( 1 ) ، فقيل : إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة ، فقال : ( اقتلوه ) . وقال ابن خويز منداد : " ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام " منسوخة ، لان الاجماع قد تقرر بأن عدلوا لو استولى على مكة وقال : لأقاتلكم ، وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة لوجب قتاله وإن لم يبدأ بالقتال ، فمكة وغيرها من البلاد سواء . وإنما قيل فيها : هي حرام تعظيما لها ، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد يوم الفتح وقال : ( احصدهم بالسيف حتى تلقاني على الصفا ) حتى جاء العباس فقال : يا رسول الله ، ذهبت قريش ، فلا قريش بعد اليوم . ألا ترى أنه قال في تعظيمها : ( ولا يلتقط لقطتها إلا منشد ) واللقطة بها وبغيرها سواء . ويجوز أن تكون منسوخة بقوله : " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة " [ البقرة : 193 ] . قال ابن العربي : " حضرت في بيت المقدس - طهره الله - بمدرسة أبي عقبة الحنفي ، والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم جمعة ، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره أطمار ، فسلم سلام العلماء وتصدر في صدر المجلس بمدارع ( 2 ) الرعاء ، فقال القاضي الزنجاني : من السيد ؟ فقال : رجل سلبه الشطار ( 3 ) أمس ، وكان مقصدي هذا الحرم المقدس ، وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم . فقال القاضي مبادرا : سلوه - على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم - ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل أم لا ؟ فأفتى بأنه لا يقتل . فسئل عن الدليل ، فقال قوله تعالى : " ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه " قرئ " ولا تقتلوهم ، ولا تقاتلوهم " فإن قرئ " ولا تقتلوهم " فالمسألة نص ، وإن قرئ " ولا تقاتلوهم " فهو تنبيه ، لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلا بينا ظاهرا على النهي عن القتل . فاعترض عليه القاضي منتصرا للشافعي ومالك ، وإن لم ير مذهبهما ، على العادة ، فقال : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : " فاقتلوا المشركين
--> ( 1 ) المغفر ومثله والغفارة ( كلها بالكسر ) : زرد ينسخ من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة . ( 2 ) المدرع والدراعة : ضرب من الثياب التي تلبس . وقيل : جبة مشقوقة المقدم . ( 3 ) الشطار : جمع شاطر ، وهو الذي أعيا أهله ومؤدبه خبثا .